ابن كثير

245

البداية والنهاية

وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي كانت غلته في السنة قريبا من خمسين ألفا ينفقها كلها على أهل الحديث . توفي عن أربع وثمانين سنة . وأبو النصر الجهني المصاب كان مقيما بالمدينة النبوية بالصفة من المسجد في الحائط الشمالي منه ، وكان طويل السكوت ، فإذا سئل أجاب بجواب حسن ، ويتكلم بكلمات مفيدة تؤثر عنه وتكتب ، وكان يخرج يوم الجمعة قبل الصلاة فيقف على مجامع الناس فيقول : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) [ لقمان : 33 ] و ( يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ) [ البقرة : 48 ] ثم ينتقل إلى جماعة أخرى ثم إلى أخرى ، حتى يدخل المسجد فيصلي فيه الجمعة ثم لا يخرج منه حتى يصلى العشاء الآخرة . وقد وعظ مرة هارون الرشيد بكلام حسن فقال : اعلم أن الله سائلك عن أمة نبيه فأعد لذلك جوابا ، وقد قال عمر بن الخطاب لو ماتت سخلة بالعراق ضياعا لخشيت أن يسألني الله عنها . فقال الرشيد : إني لست كعمر ، وإن دهري ليس كدهره . فقال : ما هذا بمغن عنك شيئا . فأمر له بثلاثمائة دينار ، فقال : أنا رجل من أهل الصفة فمر بها فلتقسم عليهم وأنا واحد منهم . ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة فيها في صفر منها أمر الأمين الناس أن لا يتعاملوا بالدراهم والدنانير التي عليها اسم أخيه المأمون ونهى أن يدعى له على المنابر ، وأن يدعى له ولولده من بعده : وفيها تسمى المأمون بإمام المؤمنين . وفي ربيع الآخر فيها عقد الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان الامارة على الجبل وهمذان وأصبهان وقم وتلك البلاد ، وأمره بحرب المأمون وجهز معه جيشا كثيرا ، وأنفق فيهم نفقات عظيمة ، وأعطاه مائتي ألف دينار ، ولولده خمسين ألف دينار وألفي سيف محلى ، وستة آلاف ثوب للخلع . فخرج علي بن موسى بن ماهان من بغداد في أربعين ألف مقاتل فارس ، ومعه قيد من فضة ليأتي فيه بالمأمون . وخرج الأمين معه مشيعا فسار حتى وصل الري فتلقاه الأمير طاهر في أربعة آلاف ، فجرت بينهم أمور آل الحال فيها أن اقتتلوا ، فقتل علي بن عيسى وانهزم أصحابه وحمل رأسه وجثته إلى الأمير طاهر فكتب بذلك إلى وزير المأمون ذي الرياستين ، وكان الذي قتل علي بن عيسى رجل يقال له طاهر الصغير فسمي ذا اليمينين ، لأنه أخذ السيف بيديه الثنتيين فذبح به علي بن عيسى بن ماهان ، ففرح بذلك المأمون وذووه ، وانتهى الخبر إلى الأمين وهو يصيد السمك من دجلة ، فقال : ويحك دعني من هذا فإن كوثرا قد صاد